محمد بن أحمد بن محمد العميدي
20
الإبانة عن سرقات المتنبي
من شعر ممن لا يكاد يجيل في الأدب قِدحا ، ولا يعرف هجاء ولا مدحاً ؛ فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم ، والإجلال والتعظيم ، وليس يدري إن سألته هل ما رواه سليم اللفظ أو مختله ، صحيح المعنى أو معتلّه ، وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن ، وتقسيمه مطبوع أو مصنوع ، ونظامه مستعمل أو مسترذل ، وكلامه مستعذب أو مستصعب ، وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله ، أو هو مبتدِع ، أو أورد نظيره سواه أو هو مخترع استبدعوا كلامه ، واتبعوا أحكامه ، واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد ، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار ، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار . ثم إن بيّنت لهم عَوار ما رَوَوْه وزلله ، وخطأ ما حكَوْه وخطله التزموا نُصْرة خطئه واقفين مواقف الاعتذار ، ومائلين عن طريقة الانتصاف إلى الانتصار ، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاماً ، ودرّبتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاةً وحكاماً ، إنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة ، قليل الصناعة ، صِفَر وِطاب الأدب ، ضيّقَ مجال الفضل ، قصيرَ باع الفهم ، جديبَ رباع العقل ، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز به بين غثّ الكلام وسمينه ، ويفرق بين سخيفه ومتينه ، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يَعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف ، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف ، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيجاب ، ولا يحل أحداً من رتب الجلالة إلا بقدر محله من الآداب ، ولا يُعظم الجاهليّة لتقدمهم إذا أخّرتهم معايب أشعارهم ، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم ، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحاً ، ويضرب عن استشعار الباطل صفحاً ، ويُجلّ من يَشْهد بفضائله شهودٌ عدول ، ويُنزل مَن كلامُه عند التأمل منحولٌ معلول . ولقد جرى يوماً حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء ، فقال أحد حاملي